[ALIGN=CENTER][COLOR=red]نحن ولغة الضاد[/COLOR]
الحمد لله رب العالمين ، الذي شرّف اللغة العربية وأهلها بأن أنزل بها خير كتبه ، فقال جل من قائل : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) والصلاة والسلام على من اُوتي الفصاحة والبيان وجُعلت معجزته أفصح الكلام وعلى آله وصحابته أفضل الصلاة وأزكى السلام. وبعد:
فالعربية كانت ــ ومازالت ــ موضع عناية العلماء والأدباء والدارسين على مرّ الأزمان ، وهي ليست مجرد وسيلة للتخاطب والتفاهم ؛ بل هي رمز لوحدة أمة عريقة لها تاريخ يشهد بحضارتها وتراثها عبر القرون ، وهي لغة أفضل كتاب مقدس اُنزل على البشرية ، ولعل أبا منصور الثعالبي أوجز ماخالج صدري من تفضيل وتقدير لهذه اللغة ، حيث قال في مقدمة كتابه ( فقه اللغة وسر العربية ) :“ من أحب الله تعالى أحب رسوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ومن أحب الرسول العربي محمدا أحب العرب ، ومن أحب العرب أحب العربية ، ومن أحب العربية عنُى بها ، وثابر عليها ، وصرف همته إياها ... ’’
إلا أنه ــ وبكل ألم وحسرة ــ وُجد من أبناء هذه اللغة من عقها ، بل أراد أن يئدها بدعوة أولئك إلى إحياء العامية والقضاء على الفصحى لغة القرآن الكريم ، والدعوة للعامية وإحلالها محل الفصحى قد بدأت إبان الاحتلال البريطاني لمصر ، ومرت تلك الدعوة المشؤومة بثلاث مراحل كلهن كتب لهن الفشل والذل والهوان ، ولله الحمد من قبل ومن بعد ، فالمرحلة الأولى تمثلت في مناداة الألماني ( ولهم سبيتا ) الذي كان يعمل حينها مديرا لدار الكتب المصرية وذلك في عام 1298 هـ ، ولم يمض عام حتى قامت صحيفة (المقتطف) والمعروفة بميولها الاستعمارية بالترويج لهذه الدعوة ، إلا أن الغيورين على لغة الضاد أخرسوا تلك الألسن المسمومة. ولم تلبث أن برزت تلك الدعوة مرة ثانية على يد أحد قضاة المحكمة الإستنافية الأهلية في مصر ، وهو السير (والف ويلمبور ) البريطاني الذي ألف عام 1320 هـ كتابا باللغة الإنجليزية بعنوان (لغة القاهرة) مقترحا إتخاذ العامية لغة للعلم والأدب والثقافة. وفي عام 1345 هـ استطاع السير (ويلم ولكوكس) الذي يعمل حينها مهندسا في مجال الري المصري في ظاهر الأمر بينما كان في الحقيقة من دهاة الاستعمار ، استطاع أن يتولى إصدار مجلة الأزهر حقبة من الزمن متخذا إياها منبرا للدعوة إلى العامية زاعما أن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع هو أنهم يؤلفون ويكتبون بالفصحى ، ولو أنهم ألفوا وكتبوا بالعامية لأعان ذلك على إيجاد ملكه الابتكار وتنميتها ، وهو في هذا القول ينفث السموم والأحقاد الدفينة ، ولم تقتصر هذه الدعوة على مصر فحسب ، بل امتدت إلى لبنان ؛ فذاك أحد الأبواق المفلسة يرى أن استعادة القدس وانتصار العرب على إسرائيل مرهون بانتقالهم من الفصحى إلى العامية المحكية ، على حد زعم يوسف خال . والملاحظ أن هؤلاء الدعاة إلى العامية في لبنان سلكوا مسلكين : منهم من يرى أن تكون العامية بديلا عن الفصحى ، على أن تكتب بالحروف العربية ، ومتفرنجون آخرون يرون أن تكتب هذه العامية بحروف لاتينية مطورة ، وفريق ثالث يساوي بين الفصحى والعامية زاعما أن الأخيرة لغة قائمة بذاتها. وفي النهاية تمخضت تلك الدعوات المسمومة بخروج دعاة العامية بمشروع (العربية الأساسية) والذي يهدف ــ كما يقول أحد الناعقين ــ إلى الاهتمام بالعامية وإغفال لغة القرآن الكريم.
وتلك الدعوات المسمومة تهدف إلى قطع كل صلة بيننا وبين ديننا الحنيف المتمثل بكتاب الله ، وسنة رسوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ وفقه العلماء واجتهاد المجتهدين بدءا من أصحاب الرسول والتابعين وسلفنا الصالح ، ثم قطع الصلة بتراث أمتنا الخالد ، ولعل الجانب السياسي ــ أيضا ــ لايقل خطرا عن الجانب العقدي والثقافي.
أما نحن فحالنا الآن مع من وسعة كتاب الله لفظا وغاية ، وإن كنا قد رضعنا حبها مع لبان أمهاتنا ؛ إلا أنه وجد عقوق من البعض ، فاضحت لغتنا بين طرفي نقيض؛ إما بهجرها وإحلال العامية محلها ــ وإن حدث هذا عن حسن نية ــ وإما بتقديس التشدق بلغات الغرب ، وتضييع شخصيتنا وهويتنا الحقة. لذا فلغة أهل الجنة تناشدكم ولسان حالها يقول :هل سألتم الدعاة إلى العامية أنَّى لهم أن يستمتعوا بهذا النتاج العلمي والثقافي والتقني والفلسفي لولاي ؛ فقد نقلت لهم علوم وفلسفة اليونان والهنود والفرس ، وغيرهم من الأمم الأخرى ، كم نقلت لهم ما أبدعه علماء المسلمون الأوائل أمثال : ابن الهيثم ، والخوارزمي والبيروني والرازي وغيرهم كثير.
وفي عصرنا الحاضر ، عصر العولمة زاد شعور لغتنا بالوحشة والغرابة فأضحت على طرفي نقيض ؛ فالسواد الأعظم من أبنائها استحسن العاميات ، فوسائل الإعلام ــ إلا القليل منها ــ أصبحت معول هدم للفصحى لغة القرآن ، وقنوات جدت ناطقة بالعاميات وداعية إليها ، طامسة للغة العقيدة والتراث الأصيل ، وفي المقابل نلفي من يتفرنج ويتشدق بلغات الغرب مقدسا إياها على حساب لغة أهل الجنة.
ولعل الغيورين على هويتهم يشاطرونني القول إنه يتحتمّ على المؤسسات التعليمية سواء في تعليمنا العام أو العالي إحياء هذه اللغة النموذجية على ألسنة الخاصة من منسوبيها أساتذة وإداريين وطلاب ، وخاصة في قاعات الدرس ، وعدم استفزاز لغة الكتاب المبين بإحلال العاميات ، فالغيرة من طبيعة أشرف اللغات. وحبّذا لو زال تقديس بعض جامعتنا وإعجابها بلغات الغرب مما جعلها تخرج لنا بأسماء الطلبة ومقرراتهم وجداولهم الدراسية ، بل وحتى أعذارهم بتلك اللغة الأجنبية ، وكأن من وسعة كتاب الله عاجزة عن ذلك. ومما يزيد الطين بلّه أن بعض المحلات التجارية على اختلاف نشاطها ، وكذلك الفنادق والوحدات السكنية تحمل أسماء أعجمية بدلا من العربية ، وأخال أن بعض أصحابها لايفقه شيئا عن ذلك المسمى وإنما ينعق مع الناعقين.
وقبل الختام أهمس في أسماعكم قائلا: ألستم أشد غيرة على لغتكم من أولئك الأعاجم المتقدمين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة أشرف اللغات يذودون عن حياضها ، ويتنقلون بين تراثها الأصيل منقّين ومحققين وما إمام النحاة ومن سار على طريقه عبر العصور المتقدمة إلا من أولئك الأفذاذ الذين يشار إليهم بالبنان. وما جهود أبناء هذه اللغة المحدثين أمثال : حافظ إبراهيم ، والشيخ أحمد رضا ، والشيخ صالح المدهون ، والدكتور عبدالعزيز جاويش وعمر فروخ منكم ببعيد ، وغيرهم كثير.
وختاما : فاللغة عنوان أهلها تحيا بحياتهم ، وتموت بموتهم ، وتتقدم وتتطور بتقدمهم وتطورهم ، وتضعف وتتخلف بضعفهم وتخلفهم. والله المسؤول أن يأخذ بأيدينا لاستعادة أمجاد لغتنا التي بنى الغرب علومه ومعارفه وتقنيته ووسائل تطوره على ما أثرته هذه اللغة العظيمة في شتى مجالات العلوم والمعرفة.وهانحن نعيش مع لغتنا ماحيينا لا أن نحتفل بها مرة كل سنة كما يهذي بذلك المنهزمون.[/ALIGN]
[COLOR=blue]د.زايد مهلهل العتيق
رئيس مركز البحوث والدراسات الإنسانية ــ كلية الآداب
جامعة حائل
" صحيفة عين حائل الاخبارية " [/COLOR]