كان المطر يهطل على رأسه بقوه وهو متسمر في مكانه ، عيناه شاخصتان وقد أغرقتهما الدموع ، وملامح وجهه يملؤها الذهول والألم ، وكأن الحياة غادرت محياه الحزين ، وقلبه يكاد يخرج من مكانه وكأن جميع من حوله يسمعون صراخ نبضاته وهي تولي هاربه وأنفاسه اللاهثه تتسارع في الخروج لتولد ميته ويائسه ولسانه الجاف يردد ( محمد يا ولدي ،لاتموت ، أرجوك أنظر لي ) إنه يغرق في بركة الدماء وأشلاء محمد يجمعها الغرباء وسط أكياس سوداء كليلة أبا محمد التعيسه ، لقد كان صوت المطر وهو يقذف بنفسه ليرتطم بالأرض بقوه كصوت قلب أبا محمد الكهل ويداه المرتعشتان تتحسس ماتبقى من جسد محمد وكأنها تقول (( لا ليس هذا هو الفتى النقي والهادئ الذي أعرفه إن يداي تتحسسان أشلاء شيطان مارد وليس محمد اللطيف والمسالم )) .
اااه يا ولدي ليت الزمان يرجع قليلا ، وليت الليالي تتوقف ثواني ، وليت الوقت تتجمد عقاربه ، لعلي أستطيع أن أغير هذه النهاية الحزينه ، لازلت اتذكر دخول ذلك الغريب بيتي وتسلله كالزئبق إلى أعماق منزلي ، لقد كان محمد فتى في الثانويه ، لايحب الإختلاط ويسابقني للمسجد ثم يجالس جهاز النت ، كنت سعيدا لأنه لايسهر خارج المنزل ولا يصاحب السيئون وماعلمت أنهم كانوا داخل منزلي موجودين كل لحظه من خلال هذا الجهاز الشيطاني ، لقد سرقوا مني إبني وقطعة مني للأبد ، لقد تغيرت معاملته لي ولأمه وعلا صوته فوق صوتي وأصبح المسجد أخر اهتماماته ، لم يعد يأكل كما كان ، ولم يعد يمازح أخواته ودائم التفكير والصمت وإن تكلم كان الإعتراض والسخط على الواقع واشمئزازه من الحال هو اللغة الوحيده التي يجيد التفنن بالحديث عنها ، تبادر لذهني جميع الأمور إلا أن يكون محمد إرهابي ومن ذوي الفكر الضال ...
اااه محمد يا ولدي لن أنسى محادثتك الأخيرة لي وأنت تتصور أنك ذاهب إلى الجنه وسط حزامك الناسف ، وأنك ستزف إلى السماء وسط نوافير الدم الذي سيراق من الأبرياء ..
لا يا ولدي إرجع ، لا ياولدي لاتفعلها ، لا ياولدي إنك تسير إلى جهنم وبئس المصير ، لا ياولدي عد إلى حضن أمك الثكلى ، وقلب والدك الممزق ، لا ياولدي لاتحكم علينا بالنفي والهجران وسط الأهل والأصدقاء والجيران ، ماذا حدث لك؟؟ أنت تنعم بنعمة الأمن وعهد الرخاء ، وحكم الشريعة السمحاء ، لاتستمع للقول الضال فما زال في الوقت بقيه .. إرجع لأهلك وحارة لعبك ومدينتك ومسجدك ومدرستك وبيتك وأهلك إرجع الى حضن أمك الدافئ ، واجتماع إخوتك ، إرجع إلى وطنك وهويتك ، لقد إختار محمد الرحيل إلى أحضان الشيطان تاركاً وراءه الحسرة والدموع والألم يعتصر القلوب ، تاركاً ثأراً في قلب والده على طواغيت الكفر والمجون وعبدة الشياطين ،وحسرة عالقه في صدره لن تزول ، وشعور بالذنب لتقصيره بتربيته سيرافقه حتى الموت ، لم يستمع لأحد وأغلق صوت العقل واندفع غائب الفكر ومشتت الذهن ليفجر نفسه ويقتل معه الأبرياء ، ليتني تداركت الأمر يا ولدي وياليتني انتشلتك منذ بداية انحرافك ، كيف سأعود لمنزلي ؟ وماذا سأخبر أمك ؟ وكيف أعتذر لوطني عن تربيتي التي قصرت بها ، لقد ملئت بطنه بالأكل وأشبعت جيوبه بالمال وجوعت عقله وفكره وأصابه الجفاف الديني ، فافترسه الجهل والعنف قبل أن يفترس الأخرين ..
كم بيت ومنزل يصيح موتاه هذه الليله بسببي أنا ومن كنت أظن أنه إبني قبل أن يتحول إلى وحش كاسر يلتهم الأخضر واليابس .
إمتدت يد شهمه وقويه لتحتضنني رغم قسوة ولدي وترفع كتفي لتنهض بي عن بركة الدماء التي اختلطت وامتزجت بقطرات المطر وكأن المطر نزل الليله ليغسل أحزان الوطن من هول الكارثه ، أصوات النجده والطائرات والمسعفين وصياح الماره والناجون وأنين المصابين وحفيف الشجر الذي تهزه الرياح وكأنه يبكي تلك الجثث المتطايره هو كل ماكانت أذناي تسمعانه وعيناي تسمرت وهي تسترجع الماضي البعيد ويدي تمسك بيد محمد خوفا عليه من الطريق ووحشته ، ومع زحام الحياه وفتنة الأيام والإنشغال بها ، أفلت قبضتي وتركته لوحشة الشارع يصارع الظلام .
ليت الزمن يتوقف والماضي يعود لأسترجع محمد لحضن الوطن الذي تمنيت يوما أن أعده ليكون جندي لوطنه لا غازيا عليه ، جميعهم سيصلى عليهم غدا لأنهم شهداء ماعدا إبني سيدفن في حفرة الموت ومنزله الأخير دون صلاة ولا وداع ، جميعهم سيبكون حرقة الفراق في الدنيا لمن ماتوا بحزام إبني الناسف ، وأنا سأبكي حرقة فراق الدنيا والأخرة لإبني .
لا يا ولدي ،،، لا ياولدي،،، لا ياولدي ،،، لاياولدي ..كان يرددها ابو محمد منهاراً وبصوت إخترق صمت الليل الحزين ، ودموعه النازفة وجعاً يغسلها مطر تلك الليلة الباكيه حزناً على شباب ضاعت عقولهم واختلطت أمورهم وقدموا أنفسهم وأرواحهم قرابيناً لشياطين الفتنه وصيداً سهلا لأفاعي الجحور المندسه ، فعذراً لك يا وطني ليتهم يعلمون كم أنت عظيم ، وليتهم يرحمون دموع آبائهم وأمهاتهم وياليتهم يتراجعون عند سماع بكاء الأطفال ونحيب النساء خوفاً وفزعاً منهم .
لقد أصاب قلوبهم العطب وتجمدت مشاعرهم وتحجرت قلوبهم وأصبح الموت مشتت الأشلاء ومقطع الأوصال بين جثث الأبرياء هو باب العبور إلى الجنه حسب تصورهم الشيطاني .
لا يا ولدي ، لايا أخي ، لا يا صديقي . قف فوطني خط أحمر لاتتجاوزه ولن تتجاوزه مهما كانت الأرواح المقدمه فهي فداء لوطن الشمس ووطن الإنسانيه .
20 pings
Skip to comment form ↓