( سورة الحجرات )
هذه السورة العظيمة دستورٌ كامل و نظام شامل للعلاقات البشرية من عدة جوانب :
أولّها علاقة المؤمن مع الله ورسوله ؛ و ذلك في الآيات الأُوَل خاصةً ً ثمّ في سائر آيات السورة .
علاقة المؤمنين مع بعضهم البعض ، ثمّ نهيهم عن تصديق الأخبار و الأنباء بمجرّد سماعهم لها قبل التثبّت من حقيقتها و صحتّها ، و وصف من ينقلها و يجيء بها بأنه ( فاسق ) و عقوبة من يصدّقه بلا تثبّت ؛ و هي الندم ؛ عندما التسرّع بالحكم على شخصٍ أو أشخاصٍ بما جاء به هذا الفاسق ؛ إن لم يعفُ الله عمّن صدّق ما جاء به الفاسقون أو زادوا فيه عن الواقع ؛ فأوقعوا من سلّم و صدّقَ ما سمع في الذنب والندم ؛ و يكون موضع النّدم في عالقاً في النّفس بسبب كسر قلوب و مشاعر الآخرين بظلمهم لهم .
وفي السورة يأتي النّهي عن الاختلاف و التباغض و السخرية بالمؤمنين - بل حتّى غير المؤمنين ممّن هم على غير دين الإسلام - و كذلك أساليب الاستهزاء و الهمز و اللمز و التنابز بالألقاب .
لاحظ أن آية النّهي عن هذه الصّفات سبقت الآية التي جاءت في النّهي عن الغيبة و سوء الظنّ و التجسّس ؛ و أن ختام الآية الأولى فيه تهديد و وعيد وهو قوله تعالى ( و من لم يتب فألئك هم الظالمون ) بينما في الآية التي بعدها رغم شناعة الغيبة و ظنّ السوء و التجسّس ؛ فقد ختم الله هذه الآية الثانية بقوله ( و اتقوا الله إن الله توّابٌ رحيم ) .
ثمّ الحديث عن أصل التكوين الإلهي للناس ، و سبب ذلك وعلتّه و الحكمة منه ، و بيان حقيقة نشأة البشريّة و اختلافها فيما بعد شعوباً و قبائل ، و ذكر المحظورات التي يعلم الله أنها ستكون ، و النهي عن ما هو جائر منها و منكر لدرجة الظلم .
ثمّ وصف الإيمان الحقيقي و أنه هو و الإسلام منّة من الله على من آمن .
هي سورةٌ عظيمة ؛ لا تستطيع أن تحلّ مكانها تنظيمات البشر ، و لا دساتيرهم الوضعيّة ؛ و من قرأها و فهم ما فيها من عبرٍ و حقائق عرف أنّ للقرآن منهجاً فيه تفصيلٌ لكلّ شيء ؛ فهو كتابٌ حكيم لم يترك شيئاً من أمور النّاس في حياتهم إلاّ و تطرّق له و بيّنه ؛ متحدّثا لمن كان له فهمّ مباشر من أهل النّهى و البصائر أو استمع ثمّ تدبّر فرزقه الله مثل ما رزق أولئك مّمن ( كان له قلبٌ ) عندما ( أو ألقى السّمع و هو شهيد ) حاضر الفكر و الاستهداء .
و من لاحظ الخلافات و المشاكل بين النّاس يجد أغلبها سببه إما حسد القلوب لذوي النّعم و نسيان أنّ الله عدلٌ بين الجميع ، أو احتقار الآخرين و ازدرائهم بسبب قلّة ما لديهم من الدنيا ( أموالها و أولادها و ريّها و أثاثها و مناصبها ..).. الخ . دون أن يدرك هذا المستهزيء أنّ ذلك من أشدّ الذنوب ؛ فقد يفوق ذنوباً تكفّرها الصدقة و الصلاة و الاستغفار و ذلّ القلب لله و انكساره لله في لحظاتٍ و خلواتٍ بين المرء و ربّه .
كما أنّ أكثر ما يوقع العداوات و البغي بين النّاس أمران هما : إمّا الرغبة بما عند الآخرين ، أو الخيلاء و الفخر بما عنده ممّا ليس عندهم ؛ رغم أنّ ذلك كلّه حكمةٌ و عدلٌ و ابتلاء .
ثم تذكيرٌ في ختام السورة بأنّ الجميع مردّهم و مرجعهم إلى الله ؛ و هو العليم الخبير بهم ؛ بل ينبئهم بأعمالهم الحسن منها و السيء ؛ ليروها بأنفسهم ؛ منزّها نفسه سبحانه و تعالى عن ظلمه لأحد ، تعالى الله أن يظلم أحدا .
سورة الحجرات سورةٌ عظيمةٌ لو تحقّقت في المجتمعات الإسلامية لنظّمتها و لأغنتها عمّا سواها في هذا الجانب ؛ فهي تدور حول العلاقات الاجتماعية و الخطاب و المواقف المتكرّرة و الأحداث المتعلّقة بأعمال القلوب و حصائد الألسن من أوّلها إلى آخرها ، مع ما تضمّنته من أمورٍ أخرى .
و الله أعلم .
7 pings
Skip to comment form ↓