يقولون مات أبي .. فهل مات حقا ؟ لازالت استحضر صورتك وفخامة وجودك وسلطان قوتك وشجاعتك وعزتك ، أمام عيناي حتى الآن ، وانظرطويلا الى كرسيك ومجلسك رغم الغياب الطويل ..التفت نحو السراب فأسمع قهقهتك وضحكتك .. فأبتسم معك واضحك .. وأجاذب خيالك الحديث فأراددك الكلام وماهي الا لحظات حتى تختنق ضحكتني وتذوب ابتسامتي ويسكنني الصمت ، فقد مات أبي حقاً .
وطفل صغير داخلي يصرخ راكضا إليك هارباً نحوك وينوح موجوعاً بين طيات الروح المنهكة ، ليتشبث بأطرافك القوية ويتوسل إليك .. "عد إلّي قبل أن يغتالني الفراق ، فالفقد موحش لا أقوى عليه فأنا بدونك كالمركب الضائع في المحيط وقد تكسرت كل مجاديفه" ....
أي رثاء وعزاء سيجبر كسري في فقدك .. فوالله أني ما ارتضيت التراب يحتضنك وينهال فوقك ، وكأني ... أضع أسداً وضرغاماً قوياً ، ممدداً وقت غفوته .. أنتظر أن يفتح عيناه غضباً والتراب فوقه فينتفض ليقف عملاقاً وملكاً كما كان .. ولكنك لم تفتح أيها الأسد الضرغام عيناك واستمرت غفوتك ... ليغلبك الموت ، وينتصر وتغفو غفوتك ألأبدية.
ااه يا والدي ... يا من كنت لنا الأب الحنون والصديق الوفي ، وجداراً إتكأنا عليه كثيرا ولم يتملل أو ينهار يوماً أو يميل ..حتى دك الوهن عظمه ولم يخبرنا لنجزع أو نخاف فظل شامخاً حتى الرمق الأخير ...
ااه يا تاج رأسي ..ليت قلمي يستطيع ان يعبر بما يكفي عن حزني وشجني ..ليت الأيام تتجاوز بي ما أعانيه ويتوقف نزف الفقد لك داخلي ....
ااه يا مهجة القلب ليت القدر ترفق بِنَا قليلا وتوارى عنا بعيداً فما زال حضنك مرسى وملاذ لنا ... كأطفال أقصى أمنياتهم النوم في حضنك الدافئ والأمين من غدر السنين ...
ااه يا سندي وعزي ومصدر فخري .. فقد حال بيننا عالم البرزخ ،، فليت لوعة فؤادي تهدأ وتستكين ... يا فقيدي .. أبي .. والدي .. أسأل الله تعالى لك ولجميع أموات المسلمين .. أنهارا من رحمته ، وجبالا من غفرانه ، ويجمعنا بكم عند حوضه ويسكننا معكم في جنات الخلد ..
لك يا والدي يامن كان له الفضل بعد الله تعالى في وجودي ونشأتي فرباني صغيراً ، ورعاني شاباً ، وصاحبني كبيراً ، فكان سكناً وأمناً وستاراً لي وسنداً شامخاً وعزيزاً وصادقاً أعود إليه عندما يخيب ظني بالأخرين .. فأجد أمامي ملاذا لايشمت بي ولا يشيع سري أبكي فيضحكني ، أغضب فيهدئني ، تخور قواي فينهض بي ، أضيع فيوجهني ، أخاف فيطمئنني ، أحتاج فيملئني ....
فكيف لا أبكيك ؟ ولماذا لا أحزن عليك ؟ ولكن أسأل الله أن يهدئ من روعي بعد فراقك ، ويجبر كسري بفقدك ، ويرزقني برك بعد موتك ، فإن حال بيننا الغياب سيكون هناك بيننا الوصال بالعطاء والدعاء ..
دعوت الله كثيراً أن يرزقني برك في حياتك فوالله اني أدعوه الان ان يرزقني برك بعد موتك وفراقك .
أمرني الله تعالى أن أخفض لك جناح الذل من الرحمة في حياتك .. والآن ستزداد رحمتي وعاطفتي لك حتى بعد موتك بدعائي والبر بك ما دمت حياً .
فليتني أستطيع رد الجميل ، ولو جزء بسيط من فضلك عّلي ، فيا أيها الحنون .. أسأل الله أن يحسن عزاءنا ،وأن يعظم أجرنا ،وأن يجبر مصيبتنا فيك ، وأن يلهمنا الصبر على فقدك ، وأن نكون من الصابرين الذين قال سبحانه وتعالى فيهم :- " وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة ، قالوا إنَّا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون ".
وأسأل العزيز الجبار الرحمن الرحيم أن يتجاوز عنك يامن كنت قريباً من الناس وحبيباً الجلاس ولطيفاً ومتواضعاً مع الصغار والكبار ، حتى أحبك الجميع واحترموك ، فلقد بكت أعينهم ، ودعت لك ألسنتهم ، وترحم عليك من نعرفه ومن لانعرفه .
فهنيئا لك حسن خاتمتك ، إن شاء الله ، وقسماً بمن أحل القسم وخَلقه وألزم به خْلقه ، ووعداً يلامس السماء السابعة .. وعهداً وميثاقاً مع رب العهود والمواثيق لنكون أيها الحبيب كما أردت دوماً أن نكون ، وخالقنا .. أن يظل منزلك كما كان دوماً مكاناً لايمل ضيوفه ، وسيبقى ذكرك مستمراً بفعلك الطيب مع الضعيف والمحتاج ولن نمنع خيراً كنت تقوم به في دنياك ، سنكون كما كنت دائما تردد على أسماعنا" صقور محلقه ، وأسوداً حاميه ، ولن نقبل بالفتات أو نرضى بالحرام ، وسنبقى عصبة واحدة لن تفرقنا دنيا أو تهزمنا أوجاع .. ستحصد زرعك الذي بذرته في أبنائك .. وحان وقت حصادك المثمر يا تاج رأسي ..
وختاماً يا حبيب قلبي ..إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإن لفراقك يا أبتاه لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، فجزاك الله عنا خير الجزاء ، وغفر الله لك ، ونسأل الله أن ينزلك منازل الصالحين والشهداء ، وأن يرحمك وأموات المسلمين من عرفنا منهم ومن لم نعرف -بواسع رحمته ، وأن يجمعنا بك في مقعد صدق عند مليك مقتدر ..
ولاح في أفق نفسي المهمومة الآن عندما تشنج حرفي وخالطتني أحزان روحي المنهكة بفقدك وهزني الشوق لمرآك ولقياك عزاء لي ،،
قول شاعر مكلوم حزين:- "عليك سلام الله ما اهتز شوقنا •••إليك ، ورضوان من الله أكبر .
23 pings
Skip to comment form ↓